يعدُّ التّعذيبُ ظاهرةً تاريخيةً لم تخلُ حضارةٌ من ممارستها، وهو ثقافة هستيرية تسلطُ العنفَ على الجسد لأسباب مختلفة. إذ يشرع البحث في تقصي التّعذيب بنوعيه الحسيّ والمعنوي وما يرافقه من آلام تخترقُ الجسدَ بوصفه كياناً أوَّلياً متعدد الدّلالات والوظائف. فالتعذيب يختارُ الجسدَ مسرحاً لأفعاله وهو سلوك ينتمي إلى مفهوم الشَّرِّ بوصفه اغتيالاً لطبيعة الخير في الإنسان. ويسعى البحثُ إلى الكشف عن أنواع التّعذيب وفلسفته ومرجعياته الثّقافيّة، ويصبو البحث إلى الإفصاح عن الدّوافع الدّفينة في استعمال التّعذيب بوصفه وسيلةَ قمع تاريخيّة. ويفترضُ البحثُ أنَّ تعذيبَ الجسدِ ليس ممارسةً ماديّةً فقط، بل هو أسلوب عنيف في محاربة المعرفة وتقويض الثّقافة وإفراغ مقصود لمعنى الوجود الإنساني؛ لا سيَّما أنَّ الأنثربولوجيا الثّقافيّة ببعدها الرّمزي التّأويليّ تعتقد أنَّ الجسدَ مفهومٌ ثقافيٌّ. لذا يبتعد الجسدُ في بعده الأنثربولوجي عن كونه وجوداً مادياً صرفاً، بل هي في الغالب يحيلُ إلى وجودنا المعنويّ أو الثّقافيّ بوصفه ــ أي الجسد ــ فعلَ محاكاة. وبناءً على ذلك فإنَّ الجسدَ يختلفُ من شخص إلى آخر كونه تمثيلاً ثقافياً تتحكم فيه طرقُ محاكاة الإنسان لتلك الثّقافة ضمن السّياق الاجتماعي نفسه. والسّؤال الرّئيس في البحث هو ما مرجعياتُ التّعذيب؟ وكيف يشوِّهُ تعذيبُ الجسدِ الإنسانيّ خريطةَ الشّخصِ الأخلاقية والثّقافيّة والمعرفيّة؟ وما آثارُه على الجهاز النّفسي والسّلوك الشّخصيّ العام؟
بدن et al. (Mon,) studied this question.